الأسبوع 14 : تحطيمة مُستشار ماكس بلانك المُتوارثة.

في نهاية القرن التاسع عشر سأل ماكس بلانك (واضع نظرية الكم) مستشاره في رأيه أن يصبح عالم فيزياء، فأشار إليه بأن يخرج الفكرة من رأسه لعدم جدواها لأن كل شيء في عالم الفيزياء قد تم تبيانه ولم يتبقى ما يكتشفه..

ولكنه قد اكتشف بعدها أهم قوانين علم الفيزياء (فيزياء الكم) وأتى بعده آينشتاين الذي قلَب موازين علم الفيزياء وأتى بما لم يأتي به أحد قبله ومن بعد آينشتاين وإلى اليوم واكتشافات علم الفيزياء لاتتوقف وكل سنة يُكرّم عالم فيزياء بجائزة نوبل لاكتشافه أمر جديد.

الشاهد في الموضوع.. أن رأي مستشار ماكس بلانك يتكرر في كل زمان على ألْسنة العديد من الناس حولنا.. وخصوصا الآن، وطلاب الثانوية العامة قد تخرجوا وبدأ التسجيل في الجامعات سيسمعون الكثير من النصائح والانتقادات لاختيار تخصصاتهم الجامعية.

منهم من يقول أن التخصص (س) ليس له مستقبل، والآخر يقول التخصص (ص) خرّيجوه عاطلين لم يجدوا وظائف.. بل منهم من يأتي بالطامة ويقول الجامعة ليس لها فائدة والجامعيون لم تفدهم شهاداتهم بشيء!

إن كنت مقتنع بما أنت مُقدم عليه.. فدَعْ عنك وصايتهم وانتقاداتهم.

وعلى فداحة كلامهم.. إلا أنه يلامس جانب من الصحة، فالتخصص وحده لايصنع لك مستقبل زاهر ولامنك نجمًا !

تميّزك في تخصصك وماتفعله بعد التخرج هو مايضمن لك النجاح.

في كل تخصص مئات الطلبة.. وقد تخرج منه الألآف.. شهادتك وحدها لاتكفي، إلا إذا أردت أن تصبح مجرد (رقم) .. أما إن كنت تريد أن تصبح (علَما) فاجتهد في دراستك وابنِ لما مابعد دراستك من أعمال وتطوّع وبحث وقراءة .

كلنا رأينا خريجين من تخصصات مهمة عاطلين، وخريجين من تخصصات عادية قد بنوا أنفسهم ولم يركنوا لشهاداتهم والآن حصلوا على وظائف مرموقة.

النجاح والتميز ليست رهينة (تخصص مهم).. إنما هي (مسيرة) من العمل والجدّ والاجتهاد.
(تخصص معين) لن يرقى بك بحد ذاته.. فهو بحاجة لمُكمّل.. وذلك رهين بك أنت وحدك.

إذا اخترت تخصص وإن كان عاديا وكانت لك رؤية واضحة لما تريد أن تكون… فلا تبتإس بما يقوله الجاهلون، فما أن تحقق مبتغاك سيضربون بك المثل من بعد ماسخروا منك.

أما إن اخترت تخصصك لأنه (كشخة) ومميز.. فسلامٌ على مستقبلك.. فلن تغدو سوى رقم من أعداد خرّيجيه.. هذا في حال تستطعت الاستمرار فيه.

ارسم لك خطة واضحة برؤية دقيقة لما تريد أن تكون في المستقبل.. وعلى ضوئه اختر تخصصك، ولاتظن أنه وحده سيحقق لك طموحك، فالتخصص ليس سوى وسيلة تحتاج لوسائل أخرى للوصول للغاية.

اختر تخصصك بناءً على رغبتك ورغبتك فقط.. دعْ عنك مايريده الآخرون منك وإن كانوا والديك.. فطاعتهم في هذا الشأن ليست من البِرّ بشيء.

واسأل الله لكم حياة جامعية هنيئة ومريحة ومميزة 🙂

  1. كلامك رائع جداً، وأتمنى جميع المقبلين على المرحلة الجامعية وحتى الثانوية قبلها أن يفكروا كذلك.
    عند تقديمي على الجامعة كثير من حولي قالوا التخصص ماله وظائف، وش بتسوين بعدين؟

    أعتقد إن دراسة الشيء اللي تحبه هو اللي تخليك تبدع فيه حتى لو كان “ماله” وظائف..أنت بنفسك تخلق فرصك وتحاول بجهد ومتعة في نفس الوقت.
    ولا يعني أبداً أنك تخصصت في قسم معين إنك ستتوظف وظيفة تابعة له ! أو أنه سيحدد بقية عمرك القادم.

    شكراً لك ولكلامك الحكيم، زادك الله من فضله 🙂

  2. أشكرك على هذه التدوينة التي لامست مشكلة جوهرية في نظرة المجتمع للاختصاصات بشكل خاص ولدور العلم والتعليم بشكل عام. وأود أن أضيف بضعة نقاط.

    من الواضح بدايةً أن مجتمعاتنا لا تنظر إلى الجامعة على أنها المحطة التي يكتشف فيها الإنسان معنى الحياة ويدرك جانباً من أسرار هذا الكون، كما أنها لا تنظر إلى تجربة التعليم العالي على أنها بداية نضج الإنسان الفكري، وهو الأمر المحزن حقيقةً، خصوصاً وأننا نزعم بأننا أمة إقرأ، ونتغنى صباح مساء بمركزية العلم في ديننا.

    وبعيداً عن الشعارات التي لا تعبر في الغالب عن الحقيقة، فإن تقييم المجتمع للاختصاصات هو نتيجة نظرة مادية بحتة تدور حول فرص العمل والعائد المادي. قد يكون ذلك انعكاساً لأوضاع معينة لا تضمن – في الغالب – حياةً كريمة لخريجي بعض الاختصاصات (لست على اطلاع على تفاصيل الوضع في المملكة، ولكن هذا هو الحال في بلدي الحبيب سورية).

    والمطلوب بنظري عمل على عدة محاور:
    الأول هو ضمان حد أدنى من الحياة الكريمة لخريج اي اختصاص عن طريق توفير فرص العمل مع تحديد أجر معقول.
    ولا بد من إنشاء ملتقيات علمية دورية تربط المجتمع بالبيئة العلمية. وتقوم بنوع من الدعاية الإيجابية للاختصاص عن طريق شرح آخر الاكتشافات والنشاطات والأبحاث التي تقوم بها الجامعة. ويتقابل الطلاب مع الدكاترة والخريجين وجهاً لوجه، الأمر الذي يسهل عملية اكتشاف الفرع.
    كما أننا نحتاج إلى إعادة هيكلة طريقة التعليم سواء في الثانوي أو في الجامعة بحيث يدرك الطالب أن العلم بشكل عام هو جهد بشري، له – من جهة – مقدمات منطقية بني عليها، ويمكن – من جهة أخرى – إخضاعه للنقد، وأن كلام الدكتور أو الاستاذ ليس قطعياً أو نهائياً، بل الأساس هو قناعة الطالب لا حفظ الكتاب.

    وأول خطوة في هذا الجانب هو أن نسمح للطالب أن يختلف مع استاذه وألا يقتنع بكلامه. وأن نفتح الباب للطلاب بأن يقارنوا وجهة النظر التي يطرحها الاستاذ مع وجهات نظر أخرى. وبذلك يتعلم الطالب شيئاً فشيئاً أن يكون نقدياً.

    شكراً مرة أخرى على هذه التدوينة.
    دمت بخير

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: