Archive for the ‘ فروع رمضانية ’ Category

آية ليلة (4) : دستور الحياة في بطن الحوت

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}

 

 

يوحى إلى يونس عليه السلام أن أنذر قومك.. يُنذرهم.. يكذّبونه.. لايقوى يونس على الاستمرار.. ينسحب.. يهرب.. فيلتقمه الحوت.. فيرجع لقومه ويهتدي على يده مائة ألف أو يزيدون !

 

لماذا الحوت؟ ولماذا عاد لقومه؟
فقط خوفًا من الله وكأن تجربة الالتقامة كانت لمجرد العقاب والتهديد!
أم أنه رأى في بطن الحوت ماجعله أقوى وأقدر على حمل الرسالة !

 

لفهم القصة نلقي نظرة تاريخية على الوضع آنذاك.. قومه الآشوريين من أعظم الحضارات على مرّ التاريخ.. متقدّمين في العلم والفنون.. أقوياء جدًا !
ثم يقف يونس عليه السلام أمام هذه العظمة كلها ليقول لهم أنتم على خطأ واتبعون !!

لم يكن يونس عليه السلام مستعدًّا للمجابهة، كان قليل الصبر!

 

 

ذهب مُغاضبا.. كان لابُد ليونس عليه السلام أن يخوض بدورة تدريبية تجعله مؤهّلا للقيادة وللدعوة.. كان يحتاج “لتجربة قاسية” !
تجربة قاسية تجعله يعرف حقيقة الظلم “بعد أن وقع الاختيار عليه من القارب ليُقذف في البحر”.. تجربة قاسية تُشعره بالوحدة وعدم مقدرة أي بشر أن يخرجه منها إلا إن أراد الله وحده لكي تسقط من قلبه هيبة كل ظالم جبّار !

كان يحتاج أن يرى حقيقة الظّلمة التي يعيشها قومه وإن استناروا بالشمس والمصابيح.. ظلمة بيده أن يُجليَها إن دعاهم إلى الله !

لم يكن يونس عليه السلام يعرف الصبر.. بطن الحوت علّمه الصبر.

 

بعدما فهم يونس جميع الحقائق في بطن الحوت قال (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
لم تكن مجرد تسبيحة.. كانت عزيمة للتخلّص من أفكار واعتناق فكرة واحدة قادرة على تخليص قومه أجمعين !

 

 

بطن الحوت اِلْتقم كثيرًا منّا.. آلمنا وظلمنا وجعلنا في وَحشة وحزن !
بطن الحوت هو كل تجربة مريرة وقعنا بها.. لكنّا خرجنا منها أقوى وأنضج !
خرجنا منها مؤمنين بحتميّة التغيير في أنفسنا ومجتمعاتنا
تجربة مريرة أعطتنا القوة وأسقطت من قلوبنا الخوف من المستقبل.. من الآخر.. من المستحيل !
تجربة مريرة أعطتنا الأمل بالله.. وبإمكانيية الإصلاح.

 

ربما بعض منّا اِلتقمه الحوت لكن لم يفهم المغزى من التجربة.. ولم يصل للحظة الذروة التي تنطلق منها شرارة التغيير.. ولم يقل (لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) .. لم يرى في الظلمة والوحدة والألم، غير الظلمة والوحدة والألم ؛ ولذلك لبث فيها إلى يوم يبعثون !

 

 

وبالمناسبة ورد في الأثر موافقا لهذا الكلام.. أن المَخرج من الوقوع في الابتلاء هو ترديد قول يونس عليه السلام.. مصادفة؟!!
كلا.. دعاء يونس عليه السلام استغفار من ظلم سابق للنفس.. بفعل بفكرة باعتقاد بجهل بغفلة أو أكبر من ذلك بعدم فعل !
دعاء يونس (قرار).. بالتغيير، بتبديل الحال, باعتناق فكرة جديدة، ببذل كل القوى لتحقيقها.

 

لذلك لنكن مُمتنّين لكل التجارب المريرة.. لأنها تسرّع من نضوجنا، توضّح لنا الصورة بتفاصيلها وتعطينا رؤية شمولية للصورة ككل، الصورة قد تكون للنفس، للناس، للعالم وعلاقاته.

 

 

للتجارب المريرة القدرة على تعليمنا بشكل مُكثّف ومُسرّع ومُركّز…
للتجارب المريرة القدرة على إهداءنا دستور الحياة ولو بطريقة مؤلمة.

 

لذلك لنكن مُمتنّين للألم بقدر امتناننا للفرح ولو أن فضل الألم أكبر.

آية ليلة (3) : إعادة تدوير ذاتك

بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى{1} وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى{2} مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى{3} وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى{4} وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{5} أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى{8} فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ{9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ{10} وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{11} 
يقنن الله في سورة الضحى المسؤولية الاجتماعية تجاه كل نعمة أنعمها علينا.. كل نعمة سواء كانت مميزة أو نعمة أعطاها لكثير من الناس.
ولو تأملنا في السورة نجد وكأن الله رسم النّعم في عملية تشغيل.. مدخلات ومخرجات، فما أعطاك حتما عليك أن تعطيه غيرك، أفكارك مواهبك علمك طاقتك عافيتك… كل ماآتاك حقًٌ عليك أن تعيد تدويره لمصلحة مجتمعك.
وليس بشكل مادي فقط، حتى بالمشاعر (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)..  عليك نشر المحبة والسعادة على من حولك، ولو بالكلمات وهي من أعظم الأعمال كما جاء في الحديث (أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم).
النّعم لا يكون شكرها بالحمد فقط.. إنما بالانتفاع والنّفع بها، لاتستهين بأي نعمة أعطاك الله إياها ولاتظن بعدم جدواها أو عدم حاجة الآخرين لها، لو أنها كذلك لما رزقت بها!
العالم بحاجة لما لديك.. من المؤكد أن هناك الكثيرين قد أُنعموا بما أُنعم عليك، لكن قطعًا لن يُماثلوك بطريقة عطاءك !
فكّر جدّيًا بمخزون النّعم التي استُؤمنت عليها.. وفكّر بأكثر جدّية كيف تُعيد تدويرها كمخرجات تفيد الناس (ولتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم).
النّعم أمانة.. ووفاؤها بإعادة تدويرها.

آية ليلة (2) : إيمان النّفع المُتعدّي

بسم الله الرحمن الرحمين

(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)

 

هنا يُرسي القرآن قانون صريح يبين فيه المهم والأهم, الظاهر أم الباطن, الشكليات أم المعاني.. وتبدو جليّة واضحة في الآية.. البر الحقيقي (ومعناه الإحسان للنفس بالالتزام بالطاعة وللغير بعمل الخير) لايكون مقياسه بالتزامك الظاهري فقط (وإن كان مهم), البر الحقيقي ماينبع من داخل قلبك, من إيمانك الذي يلزم “تغيير سلوكك” وإن لم تكن نتيجته واضحة على سلوكك فهنا يحتاج إلى إعادة نظر !!

 

البر الحقيقي هو ماتقدّمه لنفسك وللناس.. مايكون ثمرته “إحسان” لنفسك ولمجتمعك, بإيمانك الذي تترجمه بصيغة “فعل” يُؤثر ويتأثر به الغير.

 

البرّ الحقيقي نفعُه متعدي.. تؤمن بالله وملائكته والكتاب والنبيين, وحصيلته (آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ), تزهد بماعندك لُسخّره لخدمة الغير.. للمستحقين عليك.

 

البرّ الحقيقي مايُقيم إخلاقك, مايرقى بك في تعاملاتك مع الناس (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) ثمرته : صدق+وفاء+إخلاص+أمانة.

 

البرّ الحقيقي مايهوّن عليك الدنيا ومصائبها (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ), ومن الحكمة الإلهية أن أتى الصبر في نهاية الآية وكأنه يقول إذا اطمأنّ الإيمان بقلبك وتشرّب الخير وارتقى بهمّه عن نفسه فقط وكان همّه مجتمعه ومن حوله, لن تستأثر المصائب به, لن تقدر عليه أصلا وإن أهمّته !

الصبر لايكون (بنقرة زِر).. الصبر يستلزم أعمال قلبية وظاهرية يكون الصبر من موجباتها.

لايستوطن همٌّ قلب إلا إن وجده فارغ.. وقلب المؤمن “البَرّ” ليس بفارغ, فإيمانه مُشغله بالارتقاء به وبأمّته.

 

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) هنا تكتمل تركيبة المؤمن الحقيقي “الصادق“, المؤمن النافع, المؤمن الذي يكون إيمانه ليس مُحتكرًا بشكله وقوله فقط, بل مايظهر أثره على من حوله.

 

جعلنا الله منهم ووفقنا لما يحبه ويرضاه.

آية ليلة (1) : أنت مُهم كما أنت.. لاتُبدّل وِجهتك!

بسم الله الرحمن الرحيم

(ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة:148]

قد يظنّ بعض الناس أن الخير محصور بأعمال دون غيرها أو أنّها أفضل من غيرها، كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام وغيرها من الأعمال الخيّرة الشعائريّة الصريحة.

هنا تأتي الآية لتصحّح المفهوم (لكلّ وِجْهةٌ هو مولّيها) !

لسنا مولودون جميعًا بنفس المؤهلات وللسّير بخطى متماثلة رغم أن الهدف واحد (عمارة الأرض) والوظيفة واحدة (خُلفاء الله).

(لكلٌّ وِجْهةٌ هو مولّيها).. أنت بالدعوة وأنت بالطّب وأنت بالتّطوع وأنت بالفن وأنت بتنمية الذات وأنت بالأدب والكتابة وأنت بالتّرفيه.. لكل منّا وِجهة.. تنوّع الوِجْهات هو مايُعمّر الأرض ويجعلها مليئة “بالحياة” !

المهم أن تكون الوِجهة باتجاه “الخير”.. وأن نستبق إليها.. لا أن نُسرع، فاللفظ هنا أقوى “استبقوا” أي أن العمليّة ديناميكية تحتاج لجهد مُضاعف، عمل مُضاعف، انتاجيّة مُضاعفة.. فلسنا في زمن السّرعة ؛ نحن في زمن السّباق!

وهُنا ترتسم بوضوح ثُنائيّة النّهضة.. (تنوّع الوجهات+السّباق لتنفيذها) .

المهم أن لا تحقر من ذاتك ومؤهّلاتك في عملية النهضة، أنت مهم كما أنت، فقط حدّد وِجهتك للخير واستبق إليها، لاتوجد وِجهة أفضل من غيرها ؛ التقييم لله وحدة والعِبرة بالسّعي (وأن ليس للإنسان إلا ماسعى).

آية ليلة (29) : آخر ليلة

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)

في نهاية كل عمل نبتغي به وجه الله نقول (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) .. وكذلك أقول عند ختام هذا الشهر و وبرنامج آيـة ليلـة ..

 

الحمدلله الذي وفقني لكتابة 29 تدوينة .. اسأل الله أن ينفع بها، واسأله أن يتجاوز عني الخطأ و السهو .

شكرا لكم قد السماء .. تشجيعكم من أول تدوينة هو ماجعلني استمر بالكتابة يوميا رغم ضيق الوقت في رمضان .

شكرا لكل من علق أو انتقد أو ساهم في نشر التدوينات ومن دعى لي .

شكرا لصديقتي الصدوقة (أروى) التي كانت يوميا تتصل بي وتؤزني للكتابة أزّا “بالتهزيء غالبا” 😦

شكرا ل @ishahd_ “لفزعتها” .. وهي من أنبت ضميري لاستكمال التدوينات بعد أن قررت التوقف قبل ذلك .

شكرا لمصففة شعري ومصمم أزيائي » ؟

ورغم ماكتبت لاأدعي أني صالحة وتقية وأقوم بالوعظ.. ماكتبته كان موجّه لنفسي قبلكم.. والحمدلله فقد استفدت مني 🙂 وأرجوا أن حصل لكم الشيء نفسه .

في النهاية كل ماأرجوه أن ماأردت إيصاله لكم من قلبي قد وصل لقلوبكم .. وأن الفائدة قد حصلت، وسامحوني إذا قرأتوا خطأ مني لم يرق لكم فيعلم الله أني لم أقصده .

وكل عام وانتم بخير مع عيديات كثيرة جدا جدا 🙂

آية ليلة (28) : حيّ الله من زار وخفف

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)

بما اننا في انتظار العيد الذي تكثر فيه الزيارات والاجتماعات ونضطر أن نتحمل بعض الأشخاص “ثقيلي الدم” الذين يأتون في أوقات غير مناسبة ويطيلون الجلوس بدون مراعاة لظروف أهل البيت وما إلى ذلك .. فقررت أن اكتب هذه التدوينة عن آداب الزيارة في القرآن .

أولا عدم الزيارة بدون إذن بالدخول، كالاتصال قبلها ومعرفة وضع أهل البيت اذا كانوا متفرغين ومستعدين لاستقبالك، فالأوقات المناسبة لك قد لاتكون مناسبة لغيرك .

وإذا استقبلوك ليس من الضروري أن يتم تقديم وليمة لك ولاتلمح أو تنتظر ذلك، القهوة والتمر تؤدي الواجب .

وإذا تم إطعامك إنهِ الزيارة، فأكثر مايزعج ويؤذي هم الضيوف الذين يطيلون البقاء ويحلى لهم  الحديث بعد الأكل، حتى وإن أصروا على بقائك صدقني هي مجرد مجاملة خصوصا في أيام العيد فأكثر الناس يكونون مرهقين ولم يناموا جيدا وكما يقال : حيّ الله من زار وخفف .

أتمنى لكم عيد سعيد وزيارات خفيفة دم ، وكل عام وأنتم بخير 🙂

آية ليلة (27) : منهجيّة الأخذ والرد

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ فَأتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِنْدِ اللهِ هو أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)

الرسول صلى الله عليه وسلم يحاور الكفار بعد تكذيبهم بالتوراة والقرآن ويسألهم إذا كان عندهم كتاب أهدى منهما -وطبعا لايوجد- من عند الله فيتبعه .

هنا يسنّ لنا القرآن منهجية عظيمة وهي اتباع الحق بغض النظر عن معتقداتك السابقة “لاأتكلم عن ثواب الشريعة الإسلامية بل كل أمو الحياة” .

المنهجية الربانية حددت لنا شرطين لاتباع أمر ما و تصديقه، أولًا (مِنْ عِنْدِ الله) يوجد أمور في الحياة لم ينزل بها تشريع صريح من الله ولكن في النهاية يجب أن تكون ترضي الله، وهناك فكرة أخرى في الآية أن يكون الأمر الذي تريد الوصول لحقيقته يجب أخذه من مصدره الصحيح، ففي الآية كان الهدف هو الوصول لحقيقة الإيمان بالله وحده فكان المرجع الأساسي هو الله، ولكن إذا كان المُراد الوصول لحقيقة أخرى فيجب اتباع نفس السياسة بأخذ الحقيقة من مصدرها الأصلي .

والشرط الثاني (هُوَ أهْدَى مِنْهُمَا) أن يكون المعيار لاتباع هذه الحقيقة أن تكون أحقّ وأهدى وأصدق من الخيارات الأخرى أو أفكارك المسبقة، بغض النظر عن قائلها “ليس مصدرها” .

هذه المنهجية الربانية تجعلك تتبع الحق أينما كان وتأخذه من أي كائنٍ كان “بحسب الشرطين”، ستكون لك قاعدة أساسية تبني عليها معتقداتك وأفكارك، وستنبذ عنك منهجية التعصب لأفكارك المسبقة أو من جهة محددة تستسقي منها معرفتك وتردّ مادونها حتى لو من معارضيك .

الكل يؤخذ منه ويردّ ولكن لاتؤبد من يؤخذ منه فيصير دائما كذلك وأيضا من يردّ منه فلا يؤخذ منه أبدًا .