Archive for the ‘ فروع لـ عقلي ’ Category

آية ليلة (8) : الأداة الخطيرة لسدّ الثغور

بسم الله الرحمن الرحيم

(أفَلا تَعْقِلُون؟)

ماأن نخوض في إمكانية العقل تثبيت اليقين في القلب حتى يأتينا الهجوم وكأن العقل أداة خطِرَة فاسدة لن تلقي بنا إلا لغيابات الكفر والإلحاد !

ويستدلون بأخذ الدين على التسليم المطلق الخالي من تفعيل أدوات التفكر والتدبر والتعقل بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه (لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان مسح باطن الخُفّ أولى من ظاهره) وكأن الخفّ عماد الدين !

نعم هناك قطعا أمور نسلم بها ولايرقى لها إدراكنا المحدود لاستيعابها فنأخذها كما هي، وهي قليلة ومحدودة جدا مقارنة بما شرّعه الله ونقدر على استيعاب حكمته ولو بقدَر.

العقل ليس بأداة فاسدة، العقل أداة مجردة مناطها للنية؛ فأي ماكانت نيتك محصّلة تفكّرك ستكون موافقة لها سواء إن أخلصت النية وعزمت على استدراك حكمة الله للوصول إليه ولتثبيت اليقين بقلبك فلك ذلك، أو إن استخدمت عقلك لمجاراة هواك فلك ذلك أيضا والهداية بيد الله.

وكحالة تبعيّة لإلغاء العقل يأتي تسليم العقل ومقاليد مفاتيح اليقين والإيمان بالله للآخرين، وهذا لن يوصلك بأي حال لدرجة يقين يطمئن بها قلبك إن لم تتبع المهنج الإبراهيمي المُقرر في القرآن الكريم بالسؤال والسؤال فقط !

(أرِنِي كَيفَ تُحْيِي المَوتَى)

” للتفصيل في موضوع سؤال ابراهيم عليه السلام ارجع لتدوينة سابقة –هنا– ”

زيادة الإيمان وتثبيت اليقين عملية مستمرة قوامها السؤال والاستشفاء بإجابات علمية ذات أصل في الدين.. وأولا وأخيرا طلب الهداية من الله والإرشاد للطريق الصحيح.

زيادة الإيمان ليس أن تعبد أكثر، الإيمان شعور باطني خاص يُرى أثره على الأعمال لكن الأعمال “لوحدها” لاتؤثر عليه، الإيمان هو “المنبع”، وأنت مسؤول عنه ليست مسؤولية غيرك !

بنفسك أنت استبق لنفسك؛ تعرّف على الله تعرّف على حقيقة الدين وعلى الدنيا وخلق الله وعلى كل مايمكّنك من فهم الله لتعرفه أكثر لتوقن به أكثر.. اجعل من رحلة علمك لليقين عبادة له سبحانه تتقرّب بها إليه، ولن يخذلك إن صدقت النية، فأنت مُقبل على من إن تقربت منه تقرّب إليك أضعافا.

اليقين أساس صلاح كل أعمالك مع الله، وأكثر ماأراه جليًّا في الصلاة؛ مهما حاولت الخشوع والتلذذ بالصلاة لن تصل لمبتغاك منها إلا بزيادة إيمانك وبزيادة مستوى علمك بالله.

اسعى إليه بنفسك، استعن به أولا وبسعي من سبقك إليه لكن لاتتوكئ عليهم، أنت أعلم بنفسك وبالفراغ الذي يسكنها وتعلم بأي وسيلة تتقبلها نفسك لملئها بحب الله ومعرفته، فليس الكل سواء، وهنا استشهد بكلام د. محمد العوضي : (عندما أرى وثائقي على قناة ديسكوفري يزيد إيماني أكثر من لو استمعت لشيخ دين)

“قناة ديسكوفري تعرض برامج وثائقية عن جميع العلوم الكونية”

هناك من يتعرّف على الله بالتأمل في نفسه، وآخرون بالسّير في الأرض والنظر لأحوال الأمم والسابقة منهم، ومنهم بالتبحّر في العلوم، ومنهم بمراجعة التاريخ… قد تختلف السُّبل لكن الوجهة واحد هي معرفة الله وحدة على حق بما ينمّي إيماننا.

تأمل مايدور في فؤادك من اسئلة ومواضع لم تشفِها إجابات؛ داوِها بعِلم.. لاتدعها ثغرة فلاتأمن اتساعها أو هزّة شكّ تخترقها !

اسعى إلى الله بكل ماأوتيت من صدق؛ ستعرفه أكثر وستؤمن به أكثر.. سيستقر في قلبك كالوَتَد.

آية ليلة (7) : نزع مقاليد التحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(ماعليك من حسابهم من شي ومامن حسابك عليهم من شيء)

من أكثر الأمور التي أراها مزعجة ويخرج الإنسان من خلالها عن حدوده ويتطفّل على أفعال الله.. هي إصدار الأحكام على الآخرين، وبالأخص مايختص بمكانة الآخر عند الله.

للأسف أننا اتخذنا العقوبات والأحكام التي أنزلها الله للتحذير من الوقوع في موجباتها وكأنها لائحة عقوبات وُكّلت لنا لنُلبس كل مستحق لها مايناسبه منها ونضعه في خانة يستحقها “بنظرنا” إلى أن تبدو “لنا” توبة تطهّره “بنظرنا”.

السؤال ببساطة كالتالي.. من نحن؟
مامدى اطّلاعنا على نوايا الآخرين لإصدار الأحكام؟ مامدى إلمامنا بحيثيات وقوعه في المعصية؟
مامدى معرفتنا بمكانة هذا العبد عند الله؟
من خوّلنا سلطة الحكم بأن هذا ملعون وهذا فاسق وهذا فاجر!؟

وإن جاءت نصوص صريحة على تسمية صاحب المعصية “عند الله” فليس معناها أن تكون هذه النصوص أداة مسوّغة لنا لإصدار الأحكام على الآخرين، هي لردعنا وتعليمنا عقوبة كل فعل.. فقط!

ومع هذا وإن أصدر الله حكمه المسبق على مرتكب كل معصية فمن كرمه ورحمته وجزيل فضله أنه على خيار أيوقع العقوبة أم يغفر ويفعل مايشاء.. فكيف نأتي نحن وبكل تبجّح ونطلق أحكامنا النهائية ولانعلم ماحكم الله عليه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من وعده الله على عمل ثوابًا فهو مُنجزه، ومن أوعده على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار)

لاأظننا على استيعاب كامل بحجم فداحة فعلنا بتطفّلنا على صفة من صفات الله (الحَكَم).. ونحن نحمل أكبر النواقض التي تخلّ بمصداقية أحكامنا؛ وهي قُصر علمنا بالنوايا وبالغيب بالإضافة لقُصرٍ في فهمنا وعدلنا !

والله سبحانه وتعالى مقاييسه في الحكم مختلفة تماما عن مقاييسنا، فبعمل واحد نراه بسيطًا قد يغفرالله لأفجر فاجر، وقد يودي للتهلكة بعابد بسبب عملٍ باطن لانعلم عنه ويظهر لنا صلاحه وقد كُتب له عند الله خِلاف ذلك!

ولنا في حديث البغيّ التي أدخلت الجنة بكلب سقته دلالة عظيمة إن اسقطناها على الواقع؛ فتخيل أكثر من ننظر له بالفسق والفجور من مغنٍّ أو من امتهن فعل الحرام في زمننا أنه من أهل الجنة!!

إن تفكّرنا قليلا حال انطباع في نفوسنا حكم على عاصي أنه بسبب عمل لانعلم عنه قد كتبه الله من أهل الجنة بل ويحبه الله، حتمًا ستُطمس على أداة التصنيف الحكم التي تستوطن عقولنا!

وفي نفس الوقت نحن لانعلم مامكانتنا عند الله!
أهو راضٍ عنا أم لا!
مهما بدا لك نقاء صفيحتك عن المعاصي لاتأمن أنك ربما بكلمة لم تلق لها بالا هويت في جهنم سبعين خريفا!!

لسنا مخوّلين وليست هذه وظيفتنا إطلاقا!
إن استطعت النصح فاصنع، وإن لم تستطع فأقلّها احفظ حدودك مع ربك واعرف مقامك جيدًا ولا تتعدّاه لما لم تُخلق له.

آية ليلة (6) : الظلم بحجْر استنزاف المُتع

بسم الله الرحمن الرحيم

(قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)

قد يكون ظلم النفس باجتراح السيئات بحقها، وقد يكون كذلك بمنع اكتسابها للحسنات من حسنات ذاتها !

فطرنا الله جميعا وفينا مكامن الخير ومواطن الإبداع.. جميعنا بلا استثناء.

وكل هذا أمانة لديك، تخيل لو أنك واقف بين يدي الله يوم الحساب ويسألك ماذا عملت بما وهبك من مواهب وطاقات إبداعية ؟!
هل لديك إجابة تنجيك من السؤال ؟

المواهب عبارة عن هدايا من الرّب لايد لك فيها ولاتستطيع اكتسابها، هديّة تميّزك لتكون خليفة مميز على الأرض، وتقدير هديّة الله تكون باكتشافها.. واستخدامها، إن تجاهلك لها كأنك لم تأبه بهديّته سبحانه !
أترضى أن يكون هذا حالك مع الكريم؟

إن لم تتعرف على مواهبك فهذه مصيبة، وإن كنت تعرف ولم تحوّلها لإنتاج فالمصيبة أعظم !

وليس عذرًا أنك لم تكتشف ماتَبرع فيه.. لاتقل لايوجد لديّ !
مستحيل.. مستحيل لأقصى مراحل الاستحالة أن يخلقك الذي أبدع كل شيء خلقه خاويًا.. أن يُسلّمك شارة الخلافة في الأرض دون مقوّمات !

ربما تصوّرك عن مجال إبداعك مُخطئ، فالبعض يظن أنه حِكر على الفنون أو الرياضات !

غير صحيح.. كل ماتجيده وإن كان مختلفا وإن لم يرَه مجتمعك شيئا؛ هو مُجدي ومفيد ونافع ومهم ويريده الله منك، لو لم يُرِدْه لما استودع مهاراتك بك !

كل ماعليك أن تغوص في أعماقك.. اكتشف وابحث واقرأ وخُض كل التجارب الممكنة لتبرز ذاتك، وتعطي بلا انقطاع.. استنزف طاقاتك لاتحجرها أو تحدّ منها بعدم وعْيِك بها.

المواهب لم تُبثّ فيك لإعطاء انسانيتك جانب ترفيهي فقط، هي لخلق أبعاد أجمل لحياتك وللآخرين، للنفع وللمتعة.. هي مسؤولية لذيذة مُحبّبة للنفس.

لنفسك عليك حق.. ليس بترفيهها فقط؛ إنما باستدراك كوامن ابداعاتها وتصريفها وإنتاجها وتحويلها لمكسب، لك ولمجتمعك ولأجيال من بعدك.. تحويلها لحسنات تنهال عليك إلى أن تلقى ربك.

آية ليلة (5) : منظومة الوعي الجماهيري في الهاش-تاق !

بسم الله الرحمن الرحيم

(سَمَّاعُون للكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)

مع كثرة الأخبار والأحداث والحوادث التي تمر بنا يوميا، نرى عجائب في طريقة التعامل معها !

البعض يأخذ جميع مايُطرح على أنه مُسلّم به ويتناقله بل ويرد عليه وينفعل ويتفاعل معه ولم يقف مع نفسه ليفكر بحقيقة الأمر !

قد لايخطر على باله أنه بانجرافه صار بابًا للفتنة على المسلمين.

يقرأ خبر في صحيفة، تغريدة في تويتر، برودكاست في هاتفه.. فينطلق بها وكأنها قرآن مُنزّل.. وقد يكون بها من الفتنة بين المسلمين أو الضرر بشخص أو حتى افتعال قضيّة لاأساس لها لمصلحة جهة أو مجموعة من الناس لايريدون خيرًا !

وأكثر مايبدو جليّا في الهاش تاقات العربية.. فترى التناحر والسِّباب واستنفار نحو الأذيّة بلا عِلم بأصل القضية، وكأن الغرض فقط انتقاص من الآخر مهما كانت النتائج !

المسلم له منهجية تفكير تعمل “كالفِلتر” (يستمعون القول فيتّبعون أحسنه)
أحسن القول قد لايكون ظاهرًا دائما وخصوصا في عصر التلاعب بالقضايا لخدمة الأجندات، أحسن القول يتطلّب عملية بحث واستقصاء واثبات دليل (فتبيّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالة)

هذا إذا أردت اتخاذ موقف.. إما إن كان يشُقّ عليك البحث.. فدع الموضوع برمّته أهون عليك من أن تحمل وِزْر الفتنة ومن اتبعك.

قد لاتصدق أن مواضيع قد نتناولها يوميا وبشكل اعتباطي تزرع الفتنة بين المسلمين، ولكن انظر من بعيد لأثر كل ماكنّا نتحدث به بسخرية ولهو، انظر لأثره بعد سنوات !

وقد لاتُلقي بالًا لأهمية ماتقوله بحيث أنه لايُشكّل فارقًا مع جموع الجماهير.. خطأ ! لكل صوت فارق !
منظومة الوعي الشعبي تتكوّن من رأيي ورأيك ورأيه.. علينا أن نبدأ بأنفسنا أولا وتدريجيًا و-حتميًا- ستنتقل لغيرنا.. كل فرد مهم في النسيج الاجتماعي !

علينا أن (نرقى) بمستوى تعاطينا مع الحوادث والأخبار !
البُعد السلبي لايقتصر على الظهور “وبوضوح” مدى تخلفنا.. لكنه يُمزّقنا بشكل بشع وشنيع !

لنرتقي.. ونرقى بالأرضيّة التي نُطلق عليها أحكامنا ونُخاصم ونُدافع.. من أرضيّة الجنسية والمنطقة والعرق.. إلى سماويّة الإنسانيّة والإسلام !

وخصوصا في الحوادث التي تكون بيننا كمسلمين.. عند إقدامك على كل ردة فعل اسأل نفسك (ماتأثيره على الإسلام ووحدة أمته) !

جميع المتغيّرات التي عصفت على الأمة يجب أن تعصف بسلوكيّاتنا ونظرتنا لنفسنا وللآخر.. لنرتقي عن الخرائط الجغرافية ونكن “أمة واحدة”.. وضع في حسبانك.. كل ماتقوم به ويخدش في بناء الأمة الواحدة ستُحاسب عليه أمام الله كأبشع جُرم.. وتخيل موقفك أمام مؤسس هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بذل الذي بذله لتوحيدها حينما يعرف ماذا فعلت من بعده.. لاتستهين ولو بكلمة تصدر منك !

الأسبوع 14 : تحطيمة مُستشار ماكس بلانك المُتوارثة.

في نهاية القرن التاسع عشر سأل ماكس بلانك (واضع نظرية الكم) مستشاره في رأيه أن يصبح عالم فيزياء، فأشار إليه بأن يخرج الفكرة من رأسه لعدم جدواها لأن كل شيء في عالم الفيزياء قد تم تبيانه ولم يتبقى ما يكتشفه..

ولكنه قد اكتشف بعدها أهم قوانين علم الفيزياء (فيزياء الكم) وأتى بعده آينشتاين الذي قلَب موازين علم الفيزياء وأتى بما لم يأتي به أحد قبله ومن بعد آينشتاين وإلى اليوم واكتشافات علم الفيزياء لاتتوقف وكل سنة يُكرّم عالم فيزياء بجائزة نوبل لاكتشافه أمر جديد.

الشاهد في الموضوع.. أن رأي مستشار ماكس بلانك يتكرر في كل زمان على ألْسنة العديد من الناس حولنا.. وخصوصا الآن، وطلاب الثانوية العامة قد تخرجوا وبدأ التسجيل في الجامعات سيسمعون الكثير من النصائح والانتقادات لاختيار تخصصاتهم الجامعية.

منهم من يقول أن التخصص (س) ليس له مستقبل، والآخر يقول التخصص (ص) خرّيجوه عاطلين لم يجدوا وظائف.. بل منهم من يأتي بالطامة ويقول الجامعة ليس لها فائدة والجامعيون لم تفدهم شهاداتهم بشيء!

إن كنت مقتنع بما أنت مُقدم عليه.. فدَعْ عنك وصايتهم وانتقاداتهم.

وعلى فداحة كلامهم.. إلا أنه يلامس جانب من الصحة، فالتخصص وحده لايصنع لك مستقبل زاهر ولامنك نجمًا !

تميّزك في تخصصك وماتفعله بعد التخرج هو مايضمن لك النجاح.

في كل تخصص مئات الطلبة.. وقد تخرج منه الألآف.. شهادتك وحدها لاتكفي، إلا إذا أردت أن تصبح مجرد (رقم) .. أما إن كنت تريد أن تصبح (علَما) فاجتهد في دراستك وابنِ لما مابعد دراستك من أعمال وتطوّع وبحث وقراءة .

كلنا رأينا خريجين من تخصصات مهمة عاطلين، وخريجين من تخصصات عادية قد بنوا أنفسهم ولم يركنوا لشهاداتهم والآن حصلوا على وظائف مرموقة.

النجاح والتميز ليست رهينة (تخصص مهم).. إنما هي (مسيرة) من العمل والجدّ والاجتهاد.
(تخصص معين) لن يرقى بك بحد ذاته.. فهو بحاجة لمُكمّل.. وذلك رهين بك أنت وحدك.

إذا اخترت تخصص وإن كان عاديا وكانت لك رؤية واضحة لما تريد أن تكون… فلا تبتإس بما يقوله الجاهلون، فما أن تحقق مبتغاك سيضربون بك المثل من بعد ماسخروا منك.

أما إن اخترت تخصصك لأنه (كشخة) ومميز.. فسلامٌ على مستقبلك.. فلن تغدو سوى رقم من أعداد خرّيجيه.. هذا في حال تستطعت الاستمرار فيه.

ارسم لك خطة واضحة برؤية دقيقة لما تريد أن تكون في المستقبل.. وعلى ضوئه اختر تخصصك، ولاتظن أنه وحده سيحقق لك طموحك، فالتخصص ليس سوى وسيلة تحتاج لوسائل أخرى للوصول للغاية.

اختر تخصصك بناءً على رغبتك ورغبتك فقط.. دعْ عنك مايريده الآخرون منك وإن كانوا والديك.. فطاعتهم في هذا الشأن ليست من البِرّ بشيء.

واسأل الله لكم حياة جامعية هنيئة ومريحة ومميزة 🙂

الأسبوع 13 : هل تعرف حجم مساحتك الشخصية ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

من الأمور التي كانت تحيرني في نفسي, هو أن الأشخاص إذا تقرّبوا مني كثيرًا ابتعد بنفس قدر تقرّبهم مع بقاء محبتهم, وإذا ابتعدوا كثيرًا -كردّة فعل- أتقرّب إليهم بما يردم المسافة بشكل أتقبّله !

كثيرًا ماقيل لي أني أحب البعيد وأزهد بالقريب.. ولكني موقنة أني لست كذلك !

فأنا أقدر جدًا ماأملكه.. ولكن في نفس الوقت ضميري طالما أشعرني بالذنب لما أفعله بأشخاص أحبوني وأبادلهم المحبة كذلك.. لاأخفي سرًّا أني كرهت نفسي في أوقات كثيرة لكن لم أجد حلًا !

 

إلى أن استدركت حقًا ماهيّة تصرفي هذا.. ووجدت له تفسيرًا علميًا منطقيًا وطبيعيًا وغير سلبي على الإطلاق -عكس ماتوقعت- .

يُقال أن لكل شخص “مساحة شخصية” معنوية .. يرتاح لوجودها في علاقته مع الناس.. هناك مَن مساحتهم ضيقة بحيث يألفون لوجود أشخاص يدخلون إلى عالمهم بشكل عميق بدون أن يزعجهم وذلك, وهناك على العكس -أمثالي- مساحتهم الشخصية كبيرة, بحيث يفضلون أن تبقى مسافة لابأس بها في علاقاتهم مع الآخرين, وقد تختلف هذه المسافة التي يفرضونها من شخص إلى آخر ولكن تضل كبيرة مقارنة بغيرهم.

 

فِهم هذه المسألة نقطة أساسية لبناء علاقة صحيّة متفاهمة.. تدرك حجم المساحة التي يريدها الطرف الآخر لنفسه والتي يريدك أن تقترب منه على أساسها.

فهم هذه النقطة يجعل من تصرفات الآخر مقبولة ومنطقية.. بحيث لو أراد التقرّب منك كثيرًا ومشاركة تفاصيل حياتكما سوية المهمة والغير مهمة, تدرك أن مساحته التي رسمها بينكم ضيقة جدًا, ويرتاح لوجودك بهذا القرب منه.

كذلك لو شعرت أن الآخر يبعد عنك كلما تقربت ويتورّع عن مشاركة تفاصيل حياته ويتحفظ على أمور عدّة تخصه فطبيعته هنا تحتّم عليه فرض مساحة كبيرة لا يد له فيها, هو يحبك مادمت خارج حدود مساحته الشخصية, وإذا حاولت الاقتراب سيبعد بقدر قربك ليوفر لنفسه المساحة التي يرتاح ويطمئن فيها !

والقرب مسألة نسبيّة.. قد يحبك جدًا لكنه سيسمح لك بالتقرب منه لدرجة تُرضيه ولكن ربما لاتكون بالشكل المتعارف عليه لآخرين في وضعكما !

 

طبعا هنا نتحدث إذا هناك وِدّ قائم من الطرفين 😀

 

التدوينة أعلم أنها بسيطة جدًا ..  لكني أردت بشدة توضيح هذه النقطة لأنها قد تُحدث الكثير من المشاكل وتُعطي انطباعات غير حقيقية لدى الآخر في حين أن المسألة بسيطة جدًا وكل ماتستدعيه هو مجرد “تفهّم”.

الأسبوع 12 : لأول مرة أكتب لك !

سأكتب لك كما لم أكتب من قبل، سأكتب للحزن الذي يتغذى من طفولة وجهك.. وتسرق من ضحكتك التي “تُشعل” الفرح في كل مكان تصدح بصداها فيه

سأكتب للألم المُتآمر داخلك..
سأكتب لدمع أرى بريقه في عينيك بين تنهيدة وأخرى

سأكتب لكل ذرة وجع تنخر قلبك..
سأكتب لها بدموعي وأرفع لله شكوى بها لعلّها تزول !

كل ماأنت فيه أجده هاهنا بين أضلعي.. حُرقة
كلماتك الصامتة أجد صداها في أذني.. بصوت أنينك !

لست في كمِدك وحيدا
بل يُعيِيني ماأصابك، وكأن الوجع قد أقسم أن يُذيقني جميع مَصابك..

يتناسخ القهر بيننا، وياليته يستأثر بي دونك..

لست أعلم سبيلا للتخفيف عنك وعن قلبي
ولاأعلم مانهاية هذا الحزن، لكن تُعزّيني فيك قوتك وصمودك رغم تكآلب المصائب على قلبك الفتيّ
بل إني أتقوّى بك لك.. هكذا تبهرني دائما، رغم علمي برقة إحساسك، لكنك تحظى بتثبيت من الله أتمنى لو حظيت بمثله !

أعلم أنك تهتم لهمّي لك، وتحاول أن تسلى وتتظاهر بمايجعلني أنسى ماأنت فيه، لكن ثِق أن بين قلوبنا اتصال خفيّ ينقل كل مايحلّ بضفةٍ إلى الضّفةِ الأخرى، ولو كنت مكانك لاهتممتَ ربما أكثر مما أفعل الآن ، ليس بيدي ولابيدك، إنها نواميس المحبة ليس لأحد السلطة عليها !

لكني متيقّنة من لطف اللطيف.. الذي لم يقدّر لك إلا مافيه خير وإن خدعنا ظاهره
متيقّنة أنك إن وكّلت أمرك بيد من أمره كُن فيكون، ستكون كلمته واقعة لامحالة لإنتشالك مما أنت فيه.

وسعادتك ليست إلا رهنًا لكلمته سبحانه، والله كريم

متيقّنة صدق اليقين أني قريبا سأرى صدق الفرحة تُحيطك وتحملك من أرضك لتحطّ بك في أرضٍ تجري من تحت قدميك فرح وتضلّك أفراح أكبر

فقط دعك من كل البشر.. والأفكار.. والوساوس والقلق
واستودع قلبك بحزنه وهمّه وجراحه لربّ القلوب.. مُقلّب الأحوال.. من تزول له الجبال، فكيف ظنك فعله بحزن عبده؟
الله أرحم.. والله أكبر من همّك وحزنك

ربما لم أقلها لك من قبل.. لكني أحبك جدًا وجدًا.. جدًا.