آية ليلة (1) : أنت مُهم كما أنت.. لاتُبدّل وِجهتك!

بسم الله الرحمن الرحيم

(ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) [البقرة:148]

قد يظنّ بعض الناس أن الخير محصور بأعمال دون غيرها أو أنّها أفضل من غيرها، كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام وغيرها من الأعمال الخيّرة الشعائريّة الصريحة.

هنا تأتي الآية لتصحّح المفهوم (لكلّ وِجْهةٌ هو مولّيها) !

لسنا مولودون جميعًا بنفس المؤهلات وللسّير بخطى متماثلة رغم أن الهدف واحد (عمارة الأرض) والوظيفة واحدة (خُلفاء الله).

(لكلٌّ وِجْهةٌ هو مولّيها).. أنت بالدعوة وأنت بالطّب وأنت بالتّطوع وأنت بالفن وأنت بتنمية الذات وأنت بالأدب والكتابة وأنت بالتّرفيه.. لكل منّا وِجهة.. تنوّع الوِجْهات هو مايُعمّر الأرض ويجعلها مليئة “بالحياة” !

المهم أن تكون الوِجهة باتجاه “الخير”.. وأن نستبق إليها.. لا أن نُسرع، فاللفظ هنا أقوى “استبقوا” أي أن العمليّة ديناميكية تحتاج لجهد مُضاعف، عمل مُضاعف، انتاجيّة مُضاعفة.. فلسنا في زمن السّرعة ؛ نحن في زمن السّباق!

وهُنا ترتسم بوضوح ثُنائيّة النّهضة.. (تنوّع الوجهات+السّباق لتنفيذها) .

المهم أن لا تحقر من ذاتك ومؤهّلاتك في عملية النهضة، أنت مهم كما أنت، فقط حدّد وِجهتك للخير واستبق إليها، لاتوجد وِجهة أفضل من غيرها ؛ التقييم لله وحدة والعِبرة بالسّعي (وأن ليس للإنسان إلا ماسعى).

الأسبوع 14 : تحطيمة مُستشار ماكس بلانك المُتوارثة.

في نهاية القرن التاسع عشر سأل ماكس بلانك (واضع نظرية الكم) مستشاره في رأيه أن يصبح عالم فيزياء، فأشار إليه بأن يخرج الفكرة من رأسه لعدم جدواها لأن كل شيء في عالم الفيزياء قد تم تبيانه ولم يتبقى ما يكتشفه..

ولكنه قد اكتشف بعدها أهم قوانين علم الفيزياء (فيزياء الكم) وأتى بعده آينشتاين الذي قلَب موازين علم الفيزياء وأتى بما لم يأتي به أحد قبله ومن بعد آينشتاين وإلى اليوم واكتشافات علم الفيزياء لاتتوقف وكل سنة يُكرّم عالم فيزياء بجائزة نوبل لاكتشافه أمر جديد.

الشاهد في الموضوع.. أن رأي مستشار ماكس بلانك يتكرر في كل زمان على ألْسنة العديد من الناس حولنا.. وخصوصا الآن، وطلاب الثانوية العامة قد تخرجوا وبدأ التسجيل في الجامعات سيسمعون الكثير من النصائح والانتقادات لاختيار تخصصاتهم الجامعية.

منهم من يقول أن التخصص (س) ليس له مستقبل، والآخر يقول التخصص (ص) خرّيجوه عاطلين لم يجدوا وظائف.. بل منهم من يأتي بالطامة ويقول الجامعة ليس لها فائدة والجامعيون لم تفدهم شهاداتهم بشيء!

إن كنت مقتنع بما أنت مُقدم عليه.. فدَعْ عنك وصايتهم وانتقاداتهم.

وعلى فداحة كلامهم.. إلا أنه يلامس جانب من الصحة، فالتخصص وحده لايصنع لك مستقبل زاهر ولامنك نجمًا !

تميّزك في تخصصك وماتفعله بعد التخرج هو مايضمن لك النجاح.

في كل تخصص مئات الطلبة.. وقد تخرج منه الألآف.. شهادتك وحدها لاتكفي، إلا إذا أردت أن تصبح مجرد (رقم) .. أما إن كنت تريد أن تصبح (علَما) فاجتهد في دراستك وابنِ لما مابعد دراستك من أعمال وتطوّع وبحث وقراءة .

كلنا رأينا خريجين من تخصصات مهمة عاطلين، وخريجين من تخصصات عادية قد بنوا أنفسهم ولم يركنوا لشهاداتهم والآن حصلوا على وظائف مرموقة.

النجاح والتميز ليست رهينة (تخصص مهم).. إنما هي (مسيرة) من العمل والجدّ والاجتهاد.
(تخصص معين) لن يرقى بك بحد ذاته.. فهو بحاجة لمُكمّل.. وذلك رهين بك أنت وحدك.

إذا اخترت تخصص وإن كان عاديا وكانت لك رؤية واضحة لما تريد أن تكون… فلا تبتإس بما يقوله الجاهلون، فما أن تحقق مبتغاك سيضربون بك المثل من بعد ماسخروا منك.

أما إن اخترت تخصصك لأنه (كشخة) ومميز.. فسلامٌ على مستقبلك.. فلن تغدو سوى رقم من أعداد خرّيجيه.. هذا في حال تستطعت الاستمرار فيه.

ارسم لك خطة واضحة برؤية دقيقة لما تريد أن تكون في المستقبل.. وعلى ضوئه اختر تخصصك، ولاتظن أنه وحده سيحقق لك طموحك، فالتخصص ليس سوى وسيلة تحتاج لوسائل أخرى للوصول للغاية.

اختر تخصصك بناءً على رغبتك ورغبتك فقط.. دعْ عنك مايريده الآخرون منك وإن كانوا والديك.. فطاعتهم في هذا الشأن ليست من البِرّ بشيء.

واسأل الله لكم حياة جامعية هنيئة ومريحة ومميزة 🙂

الأسبوع 13 : هل تعرف حجم مساحتك الشخصية ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

من الأمور التي كانت تحيرني في نفسي, هو أن الأشخاص إذا تقرّبوا مني كثيرًا ابتعد بنفس قدر تقرّبهم مع بقاء محبتهم, وإذا ابتعدوا كثيرًا -كردّة فعل- أتقرّب إليهم بما يردم المسافة بشكل أتقبّله !

كثيرًا ماقيل لي أني أحب البعيد وأزهد بالقريب.. ولكني موقنة أني لست كذلك !

فأنا أقدر جدًا ماأملكه.. ولكن في نفس الوقت ضميري طالما أشعرني بالذنب لما أفعله بأشخاص أحبوني وأبادلهم المحبة كذلك.. لاأخفي سرًّا أني كرهت نفسي في أوقات كثيرة لكن لم أجد حلًا !

 

إلى أن استدركت حقًا ماهيّة تصرفي هذا.. ووجدت له تفسيرًا علميًا منطقيًا وطبيعيًا وغير سلبي على الإطلاق -عكس ماتوقعت- .

يُقال أن لكل شخص “مساحة شخصية” معنوية .. يرتاح لوجودها في علاقته مع الناس.. هناك مَن مساحتهم ضيقة بحيث يألفون لوجود أشخاص يدخلون إلى عالمهم بشكل عميق بدون أن يزعجهم وذلك, وهناك على العكس -أمثالي- مساحتهم الشخصية كبيرة, بحيث يفضلون أن تبقى مسافة لابأس بها في علاقاتهم مع الآخرين, وقد تختلف هذه المسافة التي يفرضونها من شخص إلى آخر ولكن تضل كبيرة مقارنة بغيرهم.

 

فِهم هذه المسألة نقطة أساسية لبناء علاقة صحيّة متفاهمة.. تدرك حجم المساحة التي يريدها الطرف الآخر لنفسه والتي يريدك أن تقترب منه على أساسها.

فهم هذه النقطة يجعل من تصرفات الآخر مقبولة ومنطقية.. بحيث لو أراد التقرّب منك كثيرًا ومشاركة تفاصيل حياتكما سوية المهمة والغير مهمة, تدرك أن مساحته التي رسمها بينكم ضيقة جدًا, ويرتاح لوجودك بهذا القرب منه.

كذلك لو شعرت أن الآخر يبعد عنك كلما تقربت ويتورّع عن مشاركة تفاصيل حياته ويتحفظ على أمور عدّة تخصه فطبيعته هنا تحتّم عليه فرض مساحة كبيرة لا يد له فيها, هو يحبك مادمت خارج حدود مساحته الشخصية, وإذا حاولت الاقتراب سيبعد بقدر قربك ليوفر لنفسه المساحة التي يرتاح ويطمئن فيها !

والقرب مسألة نسبيّة.. قد يحبك جدًا لكنه سيسمح لك بالتقرب منه لدرجة تُرضيه ولكن ربما لاتكون بالشكل المتعارف عليه لآخرين في وضعكما !

 

طبعا هنا نتحدث إذا هناك وِدّ قائم من الطرفين 😀

 

التدوينة أعلم أنها بسيطة جدًا ..  لكني أردت بشدة توضيح هذه النقطة لأنها قد تُحدث الكثير من المشاكل وتُعطي انطباعات غير حقيقية لدى الآخر في حين أن المسألة بسيطة جدًا وكل ماتستدعيه هو مجرد “تفهّم”.

الأسبوع 12 : لأول مرة أكتب لك !

سأكتب لك كما لم أكتب من قبل، سأكتب للحزن الذي يتغذى من طفولة وجهك.. وتسرق من ضحكتك التي “تُشعل” الفرح في كل مكان تصدح بصداها فيه

سأكتب للألم المُتآمر داخلك..
سأكتب لدمع أرى بريقه في عينيك بين تنهيدة وأخرى

سأكتب لكل ذرة وجع تنخر قلبك..
سأكتب لها بدموعي وأرفع لله شكوى بها لعلّها تزول !

كل ماأنت فيه أجده هاهنا بين أضلعي.. حُرقة
كلماتك الصامتة أجد صداها في أذني.. بصوت أنينك !

لست في كمِدك وحيدا
بل يُعيِيني ماأصابك، وكأن الوجع قد أقسم أن يُذيقني جميع مَصابك..

يتناسخ القهر بيننا، وياليته يستأثر بي دونك..

لست أعلم سبيلا للتخفيف عنك وعن قلبي
ولاأعلم مانهاية هذا الحزن، لكن تُعزّيني فيك قوتك وصمودك رغم تكآلب المصائب على قلبك الفتيّ
بل إني أتقوّى بك لك.. هكذا تبهرني دائما، رغم علمي برقة إحساسك، لكنك تحظى بتثبيت من الله أتمنى لو حظيت بمثله !

أعلم أنك تهتم لهمّي لك، وتحاول أن تسلى وتتظاهر بمايجعلني أنسى ماأنت فيه، لكن ثِق أن بين قلوبنا اتصال خفيّ ينقل كل مايحلّ بضفةٍ إلى الضّفةِ الأخرى، ولو كنت مكانك لاهتممتَ ربما أكثر مما أفعل الآن ، ليس بيدي ولابيدك، إنها نواميس المحبة ليس لأحد السلطة عليها !

لكني متيقّنة من لطف اللطيف.. الذي لم يقدّر لك إلا مافيه خير وإن خدعنا ظاهره
متيقّنة أنك إن وكّلت أمرك بيد من أمره كُن فيكون، ستكون كلمته واقعة لامحالة لإنتشالك مما أنت فيه.

وسعادتك ليست إلا رهنًا لكلمته سبحانه، والله كريم

متيقّنة صدق اليقين أني قريبا سأرى صدق الفرحة تُحيطك وتحملك من أرضك لتحطّ بك في أرضٍ تجري من تحت قدميك فرح وتضلّك أفراح أكبر

فقط دعك من كل البشر.. والأفكار.. والوساوس والقلق
واستودع قلبك بحزنه وهمّه وجراحه لربّ القلوب.. مُقلّب الأحوال.. من تزول له الجبال، فكيف ظنك فعله بحزن عبده؟
الله أرحم.. والله أكبر من همّك وحزنك

ربما لم أقلها لك من قبل.. لكني أحبك جدًا وجدًا.. جدًا.

الأسبوع 11 : أنانيّة الرحمة !

بسم الله الرحمن الرحيم

بينما كنت أتنقل بين قنوات التلفاز استوقفتني قناة وضعت شعار لها علم ثورة سوريا وكتبت تحتها “الدم السني واحد” !
وهذه القناة مشهورة بمناظراتها مع المذاهب الأخرى لدعوتهم للمذهب السني الذي من المفترض أن تكون دعوتهم من باب الحب للآخر بإنقاذه من الضلالة.. وصدقا باسلوب مناظراتهم الذي شاهدته سابقا لم أقتنع أن دعوتهم من باب الحب ولكن لم أريد أن أظلمهم وأتأوّل على نيتهم التي لايعلمها إلا الله

ولكن بعد أن قرأت شعارهم.. بدا لي التعصب الطائفي جليّا والله أعلم !

يالله العجب.. حتى والبشر تسفك دماءهم لاتكون نصرتكم إلا للسنة؟ ولاتدمع أعينكم إلا لمقتل طفل سوري سني وغيره من الأطفال لايعنونكم؟

أنحن الذين من المفترض أننا على نهج نبي الرحمة للعالمين.. حصرنا رحمتنا لأتباع مذهبنا وحيّزنا مادونهم !
ألا يعنينا من يهتك عرضه ويستباح دمه وماله وجميع ما له فقط لأنهم مختلف عنّا؟
أين نحن من موقف الرسول صلى الله عليه وسلم حينما وقف لجنازة “يهودي” وعندما أنكر عليه أصحابه بأنه يهودي قال بأبي هو وأمي أعظم ماقيل في معنى الإنسانية : أوليست نفسا ؟

إنها نفس.. يكفي فقط إنها نفس.. بغض النظر عن دينها ومذهبها وأصلها وعرقها وتوجهاتها ووو.. إنها نفس !
وقف الرسول صلى الله عليه وسلم للنفس التي خلقها الله.. تكريما وتعظيما لما صنع الله بيده
أولا يستحق الدم الذي يهدر في تلك البلاد وتلك أن نقف له !

أتأمل في مواقف الغرب كشعوب معنا في محننا.. يقفون معنا ضد من؟.. ضد حكوماتهم؟ ومايضرهم لو قُتلنا أو سُجننا؟
يتظاهرون بالمئات ويقاسون المتاعب بل قد يتعرضون للعقوبات لأجلنا.. لماذا؟
أتساءل لو يصيبهم ماأصابنا هل سنقف معهم ونتظاهر ونحتج لأجلهم مثلما فعلوا معنا؟ أم سنفرح لهم لأنهم “كفار” ؟
لكن وربي إنهم على هدْي نبي الرحمة وهم لم يعرفوه !
فقهوا معنى الإنسانية.. فقهوا معنى الوقوف “للنفس” بتحييد دينها وعرقها.. فقط لأنها نفس

أولسنا أمة الرحمة للعالمين بأحق بنصرة المظلومين في كل بقاع الأرض؟ لماذا أصبحنا أنانيين حتى في رحمتنا؟
لنعد فهم لقبنا “رحمة للعالمين”.. رحمة لكل العالم.. المسلمين بكل مذاهبهم .. المسلمين وغير المسلمين .. للعالمين كلهم

وأفهم أنا أن لقب الرحمة للعالمين كان للرسول صلى الله عليه وسلم.. ولكن طالما نحن انتهجنا نهجه وحملنا رسالته ذات الرحمة للعالمين فإن اللقب ورثناه مع رسالته.. لكننا للأسف أضعناه.. واحسرتاه !!

لنعد هيكلة رحمتنا.. ونوسّع مجاريها لتشمل العالم كله.. والناس أجمعين.. ليعد الإسلام دين رحمة وحب وسلام.
وهذه الدعوة لاتتعارض مع مبدأ الولاء والبراء.. ومن يعتقد أنها تتعارض فليتأمل موقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع جنازة اليهودي فهي مليئة بالردود والدروس.

الأسبوع 10 : صديقي يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة يوسف من السور المقربة لنفسي كثيرا ولا أنفك عن سماعها باستمرار
القصة بصعود ونزول إيقاعات أحداثها تُذهلني تماما !

هذه السورة تحاكي أحلامي.. وكأنها تقول لي : لاتظنين أنك ستصلين إلى ماتربين إليه بسلسلة نجاحات متواصلة ؛ بل المحن والابتلاءات بصبرك وتوكلك على الله هي ماستقودك لحلمك.

هذا ماكان عليه حال يوسف عليه السلام.. يأتي في بالنا حينما نعرف عن إنسان كان يعيش في البادية ثم استقر في سدّة الحكم أن حاله تسلسل ربما من شيخ للقبيلة ثم تولى إمارة إلى وصل به الحال إلى الحكم.

لكن في قصة يوسف عليه السلام أمر مختلف تماما.. أمر مبهر بل قد لايُستوعب !
ماقاده للحكم هو ضياعه عن أهله.. عيشه في بيت غرباء..ومكوثه في السجن سنين طوال ظلمًا وبهتانًا !!

هذا تدبير الله.. ولا غيره يُحسن التدبير.

عندما أتأمّل حياة يوسف عليه السلام.. أفرح لكل نكسة أصابتني.. لكل هم.. لكل ماظننته حين وقعه بي “مصيبة”.. افرح به لعلمي أنه يقربني لله.. ويقربني لحلمي بطريقة جهلتها أم علمتها فيما بعد.

عندما أتأمل حياة يوسف عليه السلام.. يتلبّسني الأمل، أن أمري كله لخير، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فهو يقودني لخير.

عندما أتأمل حياة يوسف عليه السلام.. أتشبّث بأحلامي أكثر.. ومهما بدا لي أن خطواتها لها تبعد.. أعلم يقينا أن الله سيدبر لي طريقا إليها رغم أنف المصاعب !

عندما أتأمل حياة يوسف عليه السلام.. يرقّ قلبي لله ويقوى للحياة.. استغني بالله عن غيره.. فحينما رموه إخوته “أقرب الناس إليه ومن كانوا من المفترض سنده وعزوته” في غيابة الجبّ صغيرًا وحيدًا خائفًا لايعلم إن كان سينجو أم يهلك.. تولّاه الله وحده
دبّره وآواه وعلّمه.. لم تكن حياته هنيئة رغيدة.. بل كانت مليئة بالابتلاءات الطويلة التي لايقدر على حلها بنفسه، إلا بمعونة إلهية.
ولكن هذه الابتلاءات هي من صنعته.. قوّته وجعلته مهيّئا ليكون نبيا.. ووزيرا.. ورمزا قرآنيا للصبر !

ذكرت في تدوينة سابقة أن الابتلاءات هي بمثابة دورة تأهيلية للنجاح.. بل لصناعة نجوم التاريخ !
كالأنبياء والقادة، كلما اشتدّت المصاعب، اشتدّ عودك وكنت أصلح لأن تكون في مقام لايستطيعه إلا قوي مكين.. الراحة والدّعة والحياة الهانئة تصنع أُناس عاديين.. بلا امتيازات “حقيقية”.. ولاإنجاز..
ولاذكر بعد الممات.

سورة يوسف أعدّها صديقتي المقربة.. لاأحد يعرف أن يطبطب على أمنياتي.. ويؤنس قلبي مثلما تفعل.

لم أكن لأعيش حياة يوسف عليه السلام وأستشعر ماخاضه لولا أن رأيت مسلسل عن قصة حياته.. رائع رائع رائع، بعد مشاهدته ستحبون يوسف عليه السلام أكثر وأكثر، ستقرؤون سورة يوسف من جديد وكأنكم تقرؤونها لأول مرة، ستجدون الحلقات في اليوتيوب كاملة.

“شاهدت الحلقات كاملة لم أجد فيها مغالطات كبيرة محرمة، ربما بعض الأشياء الصغيرة التي لاتقارن مع كمية الفوائد الرائعة التي ستخرج بها من المسلسل”

الأسبوع 9 : المؤامرة ضد مساحتنا الخضراء !

في السابق شاهدت سلسلة “القادمون” وأذهلني محتواه !
لأول مرة أعرف عن الماسونيين.. ونظرية المؤامرة.. والمكائد التي تسيطر على العالم لتكون بيد مجموعة من الأشرار.

السلسلة تعرض الموضوع وكأن تخطيطهم يحيط بحياة كل فرد على هذا الكوكب.. وحتما سيصلون إلى مايهدفون وستؤول جميع الأمور إليهم وإنا لله وإنا إليه راجعون !

لاأخفي عليكم أني صدّقتهم وأرتعبت وتأثرت وصابتني حالة حماس وغيرة واستنفار وحقد.

وعموما فكرة المؤامرة تسيطر على أذهان مجتمعاتنا ويعلقون عليها كل مشاكلهم وخيباتهم وجهلهم وانحطاطهم وكل ماكسبت يداهم من أخطاء.

والخطاب الديني يشجع هذا الفكر ليبرر به انحلال الأمة وكأنه هو السبب الأساسي والوحيد “وهو في الحقيقة سبب من الأسباب ولكن لو لم يجدوا الأبواب مفتوحة لم يستطيعوا الدخول”.

إلى أن سمعت جملة رائعة للدكتور طارق السويدان في حديث له عن نظرية المؤامرة يقول:” ليس هناك مؤامرة، يوجد من يخطط.. والتخطيط من حق جميع الأمم”

طبعا لكل خطة هدف بغض النظر عن مشروعيته.. كذلك لكل خطة ضحايا !
ونحن ضحية خطتهم “ولسنا وحدنا ضحايا خططهم”..
ولكن كوننا ضحايا لايعني أننا مغلوبون على أمرنا.. نحن من أختارنا لأنفسنا هذا المصير !

في كتاب فلسفة التاريخ من سلسلة أدوات القادة للدكتور جاسم سلطان يتكلم فيه رئيس وزراء بريطانيا في عام 1907م هنري كامبل، في وقت كانت إمبراطورية بريطانيا تمتد من مشرق الأرض إلى مغربها، فظل يفكر كامبل كيف يمكن لبريطانيا أن تسيطر على العالم لأطول فترة ممكنة !
وبعلمه بفلسفة التاريخ وبأن لكل أمة أجل و بريطانيا لن تظل على حالها “الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس” إلى الأبد.. أراد على الأقل أن تستمر السياسة البريطانية تكون الأمة التي ستؤول إليها الأمور تسير بنفس النهج البريطاني وتحمل ذات الديانة ” المسيحية”..

فأرسل كامبل بتساؤله إلى الجامعات البريطانية والفرنسية التي ردت عليه بحل وجواب مفصل في وثيقة سميت بوثيقة كامبل .
وتحدثت هذه الوثيقة على أن واجب بريطانيا أن ترى العالم من خلال ثلاث مساحات:

المساحة الأولى : تتكون من الدول ذات المنهجية المسيحية الغربية، وهذه الدول هي من يجب أن تكون سيطرة العالم في يدها، أي هي “وريثة بريطانيا”.

المساحة الثانية : وتسمي بالمساحة ” الصفراء” وهي قيمها لاتتعارض مع القيم الغربية ولكن تتعارض مصالحها معها، فتُتّخذ كحليف ” تابع ” فيتم التعامل معها تجاريا، في نفس  الوقت ستُفرض عليها القيم الغربية ويتم غزوها ثقافيا لهشاشة منظومتها القيمية.

المساحة الثالثة : وهي المساحة “الخضراء” ، فهي التي تحمل قيم منافسة ومعارضة للقيم الغربية، وأن من واجب الحضارة الغربية المسيحية أخذ احتياطها وتدابيرها لمنع أي تقدم محتمل لهذه الدول.

وما يهمنا ماجاء في الوثيقة من الإجراءات المتبعة تجاه دول “المساحة الخضراء”.. وهي تقترح أمور ثلاثة :
1- حرمانهم من المعرفة والتقنية أو ضبط حدود المعرفة.
2- إيجاد أو تعزيز مشاكل حدودية متعلقة بهذه الدول.
3- تكوين أو دعم الأقليات بحيث لايستقيم النسيج الاجتماعي لهذه الدول، ويظل مرهونا بالمحيط الخارجي.

والجدير بالذكر أن المنطقة العربية والإسلامية ليست الوحيدة المعنية بالمساحة الخضراء، فهناك دول أخرى مستهدفة.

لذا نستطيع الآن أن نقول أن الحضارة الغربية سيطرتها وقوتها لم تأتي عبثا !
فهي مبنية على “تخطيط” علمي مدروس.
وسنن الله الكونية تقضي بأن الظفر لمن عمل ولو كان كافر، ونصر الله لن يأتي للمؤمن وهو قاعد متهاون.

وليس الهدف القول بأن لامفرّ من تخطيطهم وأنه واقع بنا إلى النهاية لا محالة.. كلا !
إن أردنا مجابهته فعلينا استخدام القوانين الحضارية التي لن تستطيع أي أمة النهوض إلا بها.. العلم والمعرفة والتخطيط والعمل.. والتمسك بالدين أولا وأخيرا.

دعونا لانجعل نظرية المؤامرة تسيطر علينا.. لم نُجعل للغرب منافسا خطرا إلا بحضارتنا ولم نصل إلى حالنا هذا إلا باستسلامنا.. فأصبحنا تابعا ذليلا لاينظر لنا ولايحسب لنا حسابا !

فلنعيد هيكلة “أفكارنا” بعزتنا بأنفسنا وقيمنا وديننا وحضارتنا.. لننطلق منها لاستعادة مكانتنا كخير أمة أخرجت للناس.