آية ليلة (8) : الأداة الخطيرة لسدّ الثغور

بسم الله الرحمن الرحيم

(أفَلا تَعْقِلُون؟)

ماأن نخوض في إمكانية العقل تثبيت اليقين في القلب حتى يأتينا الهجوم وكأن العقل أداة خطِرَة فاسدة لن تلقي بنا إلا لغيابات الكفر والإلحاد !

ويستدلون بأخذ الدين على التسليم المطلق الخالي من تفعيل أدوات التفكر والتدبر والتعقل بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه (لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان مسح باطن الخُفّ أولى من ظاهره) وكأن الخفّ عماد الدين !

نعم هناك قطعا أمور نسلم بها ولايرقى لها إدراكنا المحدود لاستيعابها فنأخذها كما هي، وهي قليلة ومحدودة جدا مقارنة بما شرّعه الله ونقدر على استيعاب حكمته ولو بقدَر.

العقل ليس بأداة فاسدة، العقل أداة مجردة مناطها للنية؛ فأي ماكانت نيتك محصّلة تفكّرك ستكون موافقة لها سواء إن أخلصت النية وعزمت على استدراك حكمة الله للوصول إليه ولتثبيت اليقين بقلبك فلك ذلك، أو إن استخدمت عقلك لمجاراة هواك فلك ذلك أيضا والهداية بيد الله.

وكحالة تبعيّة لإلغاء العقل يأتي تسليم العقل ومقاليد مفاتيح اليقين والإيمان بالله للآخرين، وهذا لن يوصلك بأي حال لدرجة يقين يطمئن بها قلبك إن لم تتبع المهنج الإبراهيمي المُقرر في القرآن الكريم بالسؤال والسؤال فقط !

(أرِنِي كَيفَ تُحْيِي المَوتَى)

” للتفصيل في موضوع سؤال ابراهيم عليه السلام ارجع لتدوينة سابقة –هنا– ”

زيادة الإيمان وتثبيت اليقين عملية مستمرة قوامها السؤال والاستشفاء بإجابات علمية ذات أصل في الدين.. وأولا وأخيرا طلب الهداية من الله والإرشاد للطريق الصحيح.

زيادة الإيمان ليس أن تعبد أكثر، الإيمان شعور باطني خاص يُرى أثره على الأعمال لكن الأعمال “لوحدها” لاتؤثر عليه، الإيمان هو “المنبع”، وأنت مسؤول عنه ليست مسؤولية غيرك !

بنفسك أنت استبق لنفسك؛ تعرّف على الله تعرّف على حقيقة الدين وعلى الدنيا وخلق الله وعلى كل مايمكّنك من فهم الله لتعرفه أكثر لتوقن به أكثر.. اجعل من رحلة علمك لليقين عبادة له سبحانه تتقرّب بها إليه، ولن يخذلك إن صدقت النية، فأنت مُقبل على من إن تقربت منه تقرّب إليك أضعافا.

اليقين أساس صلاح كل أعمالك مع الله، وأكثر ماأراه جليًّا في الصلاة؛ مهما حاولت الخشوع والتلذذ بالصلاة لن تصل لمبتغاك منها إلا بزيادة إيمانك وبزيادة مستوى علمك بالله.

اسعى إليه بنفسك، استعن به أولا وبسعي من سبقك إليه لكن لاتتوكئ عليهم، أنت أعلم بنفسك وبالفراغ الذي يسكنها وتعلم بأي وسيلة تتقبلها نفسك لملئها بحب الله ومعرفته، فليس الكل سواء، وهنا استشهد بكلام د. محمد العوضي : (عندما أرى وثائقي على قناة ديسكوفري يزيد إيماني أكثر من لو استمعت لشيخ دين)

“قناة ديسكوفري تعرض برامج وثائقية عن جميع العلوم الكونية”

هناك من يتعرّف على الله بالتأمل في نفسه، وآخرون بالسّير في الأرض والنظر لأحوال الأمم والسابقة منهم، ومنهم بالتبحّر في العلوم، ومنهم بمراجعة التاريخ… قد تختلف السُّبل لكن الوجهة واحد هي معرفة الله وحدة على حق بما ينمّي إيماننا.

تأمل مايدور في فؤادك من اسئلة ومواضع لم تشفِها إجابات؛ داوِها بعِلم.. لاتدعها ثغرة فلاتأمن اتساعها أو هزّة شكّ تخترقها !

اسعى إلى الله بكل ماأوتيت من صدق؛ ستعرفه أكثر وستؤمن به أكثر.. سيستقر في قلبك كالوَتَد.

آية ليلة (7) : نزع مقاليد التحكيم

بسم الله الرحمن الرحيم

(ماعليك من حسابهم من شي ومامن حسابك عليهم من شيء)

من أكثر الأمور التي أراها مزعجة ويخرج الإنسان من خلالها عن حدوده ويتطفّل على أفعال الله.. هي إصدار الأحكام على الآخرين، وبالأخص مايختص بمكانة الآخر عند الله.

للأسف أننا اتخذنا العقوبات والأحكام التي أنزلها الله للتحذير من الوقوع في موجباتها وكأنها لائحة عقوبات وُكّلت لنا لنُلبس كل مستحق لها مايناسبه منها ونضعه في خانة يستحقها “بنظرنا” إلى أن تبدو “لنا” توبة تطهّره “بنظرنا”.

السؤال ببساطة كالتالي.. من نحن؟
مامدى اطّلاعنا على نوايا الآخرين لإصدار الأحكام؟ مامدى إلمامنا بحيثيات وقوعه في المعصية؟
مامدى معرفتنا بمكانة هذا العبد عند الله؟
من خوّلنا سلطة الحكم بأن هذا ملعون وهذا فاسق وهذا فاجر!؟

وإن جاءت نصوص صريحة على تسمية صاحب المعصية “عند الله” فليس معناها أن تكون هذه النصوص أداة مسوّغة لنا لإصدار الأحكام على الآخرين، هي لردعنا وتعليمنا عقوبة كل فعل.. فقط!

ومع هذا وإن أصدر الله حكمه المسبق على مرتكب كل معصية فمن كرمه ورحمته وجزيل فضله أنه على خيار أيوقع العقوبة أم يغفر ويفعل مايشاء.. فكيف نأتي نحن وبكل تبجّح ونطلق أحكامنا النهائية ولانعلم ماحكم الله عليه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من وعده الله على عمل ثوابًا فهو مُنجزه، ومن أوعده على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار)

لاأظننا على استيعاب كامل بحجم فداحة فعلنا بتطفّلنا على صفة من صفات الله (الحَكَم).. ونحن نحمل أكبر النواقض التي تخلّ بمصداقية أحكامنا؛ وهي قُصر علمنا بالنوايا وبالغيب بالإضافة لقُصرٍ في فهمنا وعدلنا !

والله سبحانه وتعالى مقاييسه في الحكم مختلفة تماما عن مقاييسنا، فبعمل واحد نراه بسيطًا قد يغفرالله لأفجر فاجر، وقد يودي للتهلكة بعابد بسبب عملٍ باطن لانعلم عنه ويظهر لنا صلاحه وقد كُتب له عند الله خِلاف ذلك!

ولنا في حديث البغيّ التي أدخلت الجنة بكلب سقته دلالة عظيمة إن اسقطناها على الواقع؛ فتخيل أكثر من ننظر له بالفسق والفجور من مغنٍّ أو من امتهن فعل الحرام في زمننا أنه من أهل الجنة!!

إن تفكّرنا قليلا حال انطباع في نفوسنا حكم على عاصي أنه بسبب عمل لانعلم عنه قد كتبه الله من أهل الجنة بل ويحبه الله، حتمًا ستُطمس على أداة التصنيف الحكم التي تستوطن عقولنا!

وفي نفس الوقت نحن لانعلم مامكانتنا عند الله!
أهو راضٍ عنا أم لا!
مهما بدا لك نقاء صفيحتك عن المعاصي لاتأمن أنك ربما بكلمة لم تلق لها بالا هويت في جهنم سبعين خريفا!!

لسنا مخوّلين وليست هذه وظيفتنا إطلاقا!
إن استطعت النصح فاصنع، وإن لم تستطع فأقلّها احفظ حدودك مع ربك واعرف مقامك جيدًا ولا تتعدّاه لما لم تُخلق له.

آية ليلة (6) : الظلم بحجْر استنزاف المُتع

بسم الله الرحمن الرحيم

(قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)

قد يكون ظلم النفس باجتراح السيئات بحقها، وقد يكون كذلك بمنع اكتسابها للحسنات من حسنات ذاتها !

فطرنا الله جميعا وفينا مكامن الخير ومواطن الإبداع.. جميعنا بلا استثناء.

وكل هذا أمانة لديك، تخيل لو أنك واقف بين يدي الله يوم الحساب ويسألك ماذا عملت بما وهبك من مواهب وطاقات إبداعية ؟!
هل لديك إجابة تنجيك من السؤال ؟

المواهب عبارة عن هدايا من الرّب لايد لك فيها ولاتستطيع اكتسابها، هديّة تميّزك لتكون خليفة مميز على الأرض، وتقدير هديّة الله تكون باكتشافها.. واستخدامها، إن تجاهلك لها كأنك لم تأبه بهديّته سبحانه !
أترضى أن يكون هذا حالك مع الكريم؟

إن لم تتعرف على مواهبك فهذه مصيبة، وإن كنت تعرف ولم تحوّلها لإنتاج فالمصيبة أعظم !

وليس عذرًا أنك لم تكتشف ماتَبرع فيه.. لاتقل لايوجد لديّ !
مستحيل.. مستحيل لأقصى مراحل الاستحالة أن يخلقك الذي أبدع كل شيء خلقه خاويًا.. أن يُسلّمك شارة الخلافة في الأرض دون مقوّمات !

ربما تصوّرك عن مجال إبداعك مُخطئ، فالبعض يظن أنه حِكر على الفنون أو الرياضات !

غير صحيح.. كل ماتجيده وإن كان مختلفا وإن لم يرَه مجتمعك شيئا؛ هو مُجدي ومفيد ونافع ومهم ويريده الله منك، لو لم يُرِدْه لما استودع مهاراتك بك !

كل ماعليك أن تغوص في أعماقك.. اكتشف وابحث واقرأ وخُض كل التجارب الممكنة لتبرز ذاتك، وتعطي بلا انقطاع.. استنزف طاقاتك لاتحجرها أو تحدّ منها بعدم وعْيِك بها.

المواهب لم تُبثّ فيك لإعطاء انسانيتك جانب ترفيهي فقط، هي لخلق أبعاد أجمل لحياتك وللآخرين، للنفع وللمتعة.. هي مسؤولية لذيذة مُحبّبة للنفس.

لنفسك عليك حق.. ليس بترفيهها فقط؛ إنما باستدراك كوامن ابداعاتها وتصريفها وإنتاجها وتحويلها لمكسب، لك ولمجتمعك ولأجيال من بعدك.. تحويلها لحسنات تنهال عليك إلى أن تلقى ربك.

آية ليلة (5) : منظومة الوعي الجماهيري في الهاش-تاق !

بسم الله الرحمن الرحيم

(سَمَّاعُون للكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)

مع كثرة الأخبار والأحداث والحوادث التي تمر بنا يوميا، نرى عجائب في طريقة التعامل معها !

البعض يأخذ جميع مايُطرح على أنه مُسلّم به ويتناقله بل ويرد عليه وينفعل ويتفاعل معه ولم يقف مع نفسه ليفكر بحقيقة الأمر !

قد لايخطر على باله أنه بانجرافه صار بابًا للفتنة على المسلمين.

يقرأ خبر في صحيفة، تغريدة في تويتر، برودكاست في هاتفه.. فينطلق بها وكأنها قرآن مُنزّل.. وقد يكون بها من الفتنة بين المسلمين أو الضرر بشخص أو حتى افتعال قضيّة لاأساس لها لمصلحة جهة أو مجموعة من الناس لايريدون خيرًا !

وأكثر مايبدو جليّا في الهاش تاقات العربية.. فترى التناحر والسِّباب واستنفار نحو الأذيّة بلا عِلم بأصل القضية، وكأن الغرض فقط انتقاص من الآخر مهما كانت النتائج !

المسلم له منهجية تفكير تعمل “كالفِلتر” (يستمعون القول فيتّبعون أحسنه)
أحسن القول قد لايكون ظاهرًا دائما وخصوصا في عصر التلاعب بالقضايا لخدمة الأجندات، أحسن القول يتطلّب عملية بحث واستقصاء واثبات دليل (فتبيّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالة)

هذا إذا أردت اتخاذ موقف.. إما إن كان يشُقّ عليك البحث.. فدع الموضوع برمّته أهون عليك من أن تحمل وِزْر الفتنة ومن اتبعك.

قد لاتصدق أن مواضيع قد نتناولها يوميا وبشكل اعتباطي تزرع الفتنة بين المسلمين، ولكن انظر من بعيد لأثر كل ماكنّا نتحدث به بسخرية ولهو، انظر لأثره بعد سنوات !

وقد لاتُلقي بالًا لأهمية ماتقوله بحيث أنه لايُشكّل فارقًا مع جموع الجماهير.. خطأ ! لكل صوت فارق !
منظومة الوعي الشعبي تتكوّن من رأيي ورأيك ورأيه.. علينا أن نبدأ بأنفسنا أولا وتدريجيًا و-حتميًا- ستنتقل لغيرنا.. كل فرد مهم في النسيج الاجتماعي !

علينا أن (نرقى) بمستوى تعاطينا مع الحوادث والأخبار !
البُعد السلبي لايقتصر على الظهور “وبوضوح” مدى تخلفنا.. لكنه يُمزّقنا بشكل بشع وشنيع !

لنرتقي.. ونرقى بالأرضيّة التي نُطلق عليها أحكامنا ونُخاصم ونُدافع.. من أرضيّة الجنسية والمنطقة والعرق.. إلى سماويّة الإنسانيّة والإسلام !

وخصوصا في الحوادث التي تكون بيننا كمسلمين.. عند إقدامك على كل ردة فعل اسأل نفسك (ماتأثيره على الإسلام ووحدة أمته) !

جميع المتغيّرات التي عصفت على الأمة يجب أن تعصف بسلوكيّاتنا ونظرتنا لنفسنا وللآخر.. لنرتقي عن الخرائط الجغرافية ونكن “أمة واحدة”.. وضع في حسبانك.. كل ماتقوم به ويخدش في بناء الأمة الواحدة ستُحاسب عليه أمام الله كأبشع جُرم.. وتخيل موقفك أمام مؤسس هذه الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بذل الذي بذله لتوحيدها حينما يعرف ماذا فعلت من بعده.. لاتستهين ولو بكلمة تصدر منك !

آية ليلة (4) : دستور الحياة في بطن الحوت

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}

 

 

يوحى إلى يونس عليه السلام أن أنذر قومك.. يُنذرهم.. يكذّبونه.. لايقوى يونس على الاستمرار.. ينسحب.. يهرب.. فيلتقمه الحوت.. فيرجع لقومه ويهتدي على يده مائة ألف أو يزيدون !

 

لماذا الحوت؟ ولماذا عاد لقومه؟
فقط خوفًا من الله وكأن تجربة الالتقامة كانت لمجرد العقاب والتهديد!
أم أنه رأى في بطن الحوت ماجعله أقوى وأقدر على حمل الرسالة !

 

لفهم القصة نلقي نظرة تاريخية على الوضع آنذاك.. قومه الآشوريين من أعظم الحضارات على مرّ التاريخ.. متقدّمين في العلم والفنون.. أقوياء جدًا !
ثم يقف يونس عليه السلام أمام هذه العظمة كلها ليقول لهم أنتم على خطأ واتبعون !!

لم يكن يونس عليه السلام مستعدًّا للمجابهة، كان قليل الصبر!

 

 

ذهب مُغاضبا.. كان لابُد ليونس عليه السلام أن يخوض بدورة تدريبية تجعله مؤهّلا للقيادة وللدعوة.. كان يحتاج “لتجربة قاسية” !
تجربة قاسية تجعله يعرف حقيقة الظلم “بعد أن وقع الاختيار عليه من القارب ليُقذف في البحر”.. تجربة قاسية تُشعره بالوحدة وعدم مقدرة أي بشر أن يخرجه منها إلا إن أراد الله وحده لكي تسقط من قلبه هيبة كل ظالم جبّار !

كان يحتاج أن يرى حقيقة الظّلمة التي يعيشها قومه وإن استناروا بالشمس والمصابيح.. ظلمة بيده أن يُجليَها إن دعاهم إلى الله !

لم يكن يونس عليه السلام يعرف الصبر.. بطن الحوت علّمه الصبر.

 

بعدما فهم يونس جميع الحقائق في بطن الحوت قال (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
لم تكن مجرد تسبيحة.. كانت عزيمة للتخلّص من أفكار واعتناق فكرة واحدة قادرة على تخليص قومه أجمعين !

 

 

بطن الحوت اِلْتقم كثيرًا منّا.. آلمنا وظلمنا وجعلنا في وَحشة وحزن !
بطن الحوت هو كل تجربة مريرة وقعنا بها.. لكنّا خرجنا منها أقوى وأنضج !
خرجنا منها مؤمنين بحتميّة التغيير في أنفسنا ومجتمعاتنا
تجربة مريرة أعطتنا القوة وأسقطت من قلوبنا الخوف من المستقبل.. من الآخر.. من المستحيل !
تجربة مريرة أعطتنا الأمل بالله.. وبإمكانيية الإصلاح.

 

ربما بعض منّا اِلتقمه الحوت لكن لم يفهم المغزى من التجربة.. ولم يصل للحظة الذروة التي تنطلق منها شرارة التغيير.. ولم يقل (لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) .. لم يرى في الظلمة والوحدة والألم، غير الظلمة والوحدة والألم ؛ ولذلك لبث فيها إلى يوم يبعثون !

 

 

وبالمناسبة ورد في الأثر موافقا لهذا الكلام.. أن المَخرج من الوقوع في الابتلاء هو ترديد قول يونس عليه السلام.. مصادفة؟!!
كلا.. دعاء يونس عليه السلام استغفار من ظلم سابق للنفس.. بفعل بفكرة باعتقاد بجهل بغفلة أو أكبر من ذلك بعدم فعل !
دعاء يونس (قرار).. بالتغيير، بتبديل الحال, باعتناق فكرة جديدة، ببذل كل القوى لتحقيقها.

 

لذلك لنكن مُمتنّين لكل التجارب المريرة.. لأنها تسرّع من نضوجنا، توضّح لنا الصورة بتفاصيلها وتعطينا رؤية شمولية للصورة ككل، الصورة قد تكون للنفس، للناس، للعالم وعلاقاته.

 

 

للتجارب المريرة القدرة على تعليمنا بشكل مُكثّف ومُسرّع ومُركّز…
للتجارب المريرة القدرة على إهداءنا دستور الحياة ولو بطريقة مؤلمة.

 

لذلك لنكن مُمتنّين للألم بقدر امتناننا للفرح ولو أن فضل الألم أكبر.

آية ليلة (3) : إعادة تدوير ذاتك

بسم الله الرحمن الرحيم
والضُّحَى{1} وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى{2} مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى{3} وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى{4} وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى{5} أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى{6} وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى{7} وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى{8} فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ{9} وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ{10} وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{11} 
يقنن الله في سورة الضحى المسؤولية الاجتماعية تجاه كل نعمة أنعمها علينا.. كل نعمة سواء كانت مميزة أو نعمة أعطاها لكثير من الناس.
ولو تأملنا في السورة نجد وكأن الله رسم النّعم في عملية تشغيل.. مدخلات ومخرجات، فما أعطاك حتما عليك أن تعطيه غيرك، أفكارك مواهبك علمك طاقتك عافيتك… كل ماآتاك حقًٌ عليك أن تعيد تدويره لمصلحة مجتمعك.
وليس بشكل مادي فقط، حتى بالمشاعر (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)..  عليك نشر المحبة والسعادة على من حولك، ولو بالكلمات وهي من أعظم الأعمال كما جاء في الحديث (أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم).
النّعم لا يكون شكرها بالحمد فقط.. إنما بالانتفاع والنّفع بها، لاتستهين بأي نعمة أعطاك الله إياها ولاتظن بعدم جدواها أو عدم حاجة الآخرين لها، لو أنها كذلك لما رزقت بها!
العالم بحاجة لما لديك.. من المؤكد أن هناك الكثيرين قد أُنعموا بما أُنعم عليك، لكن قطعًا لن يُماثلوك بطريقة عطاءك !
فكّر جدّيًا بمخزون النّعم التي استُؤمنت عليها.. وفكّر بأكثر جدّية كيف تُعيد تدويرها كمخرجات تفيد الناس (ولتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم).
النّعم أمانة.. ووفاؤها بإعادة تدويرها.

آية ليلة (2) : إيمان النّفع المُتعدّي

بسم الله الرحمن الرحمين

(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)

 

هنا يُرسي القرآن قانون صريح يبين فيه المهم والأهم, الظاهر أم الباطن, الشكليات أم المعاني.. وتبدو جليّة واضحة في الآية.. البر الحقيقي (ومعناه الإحسان للنفس بالالتزام بالطاعة وللغير بعمل الخير) لايكون مقياسه بالتزامك الظاهري فقط (وإن كان مهم), البر الحقيقي ماينبع من داخل قلبك, من إيمانك الذي يلزم “تغيير سلوكك” وإن لم تكن نتيجته واضحة على سلوكك فهنا يحتاج إلى إعادة نظر !!

 

البر الحقيقي هو ماتقدّمه لنفسك وللناس.. مايكون ثمرته “إحسان” لنفسك ولمجتمعك, بإيمانك الذي تترجمه بصيغة “فعل” يُؤثر ويتأثر به الغير.

 

البرّ الحقيقي نفعُه متعدي.. تؤمن بالله وملائكته والكتاب والنبيين, وحصيلته (آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ), تزهد بماعندك لُسخّره لخدمة الغير.. للمستحقين عليك.

 

البرّ الحقيقي مايُقيم إخلاقك, مايرقى بك في تعاملاتك مع الناس (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) ثمرته : صدق+وفاء+إخلاص+أمانة.

 

البرّ الحقيقي مايهوّن عليك الدنيا ومصائبها (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ), ومن الحكمة الإلهية أن أتى الصبر في نهاية الآية وكأنه يقول إذا اطمأنّ الإيمان بقلبك وتشرّب الخير وارتقى بهمّه عن نفسه فقط وكان همّه مجتمعه ومن حوله, لن تستأثر المصائب به, لن تقدر عليه أصلا وإن أهمّته !

الصبر لايكون (بنقرة زِر).. الصبر يستلزم أعمال قلبية وظاهرية يكون الصبر من موجباتها.

لايستوطن همٌّ قلب إلا إن وجده فارغ.. وقلب المؤمن “البَرّ” ليس بفارغ, فإيمانه مُشغله بالارتقاء به وبأمّته.

 

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) هنا تكتمل تركيبة المؤمن الحقيقي “الصادق“, المؤمن النافع, المؤمن الذي يكون إيمانه ليس مُحتكرًا بشكله وقوله فقط, بل مايظهر أثره على من حوله.

 

جعلنا الله منهم ووفقنا لما يحبه ويرضاه.